سينما العراق.. تاريخ صاخب وسينمائيون خارج الإنصاف

المقاله تحت باب  سينما و مسرح
في 
26/07/2008 06:00 AM
GMT



         عراقيو المهجر يستعصي عليهم إنتاج شريط فيديو عن مشاكل الهجرة
 
(الصورة :مشهد من فيلم «أحلام» الفائز بالجائزة الأولى في مهرجان الخليج السينمائي الأول)

في بداية الأربعينات وعندما بدأت السينما تداعب مشاعر فناني المسرح العراقي وهواة السينما فإنهم باشروا بإنتاجات سينمائية مشتركة مع مصر ولعب في الأفلام العراقية عدد من الممثلين المصريين، بشارة واكيم وكوكا إلى جانب العراقية عفيفة إسكندر وحضيري أبو عزيز.
بدأت بعدها السينما العراقية تؤرخ نفسها، مرة تنهض وأخرى تكبو وتلعب النظم السياسية والقوانين دورها في هذا النهوض أو ذلك الكبو.
في عام 1964 تأسست في العراق الشركة العراقية المصرية للإنتاج السينمائي. ومعروف أن مصر هي مؤسسة السينما العربية وأكثر البلدان العربية غزارة في الإنتاج. وكان رأسمال الشركة يتكون من نسبة واحد وخمسين بالمائة حصة العراق وتسعة وأربعين بالمائة حصة مصر. ومن أهداف هذه الشركة توزيع الأفلام المصرية في العراق وتوزيع الأفلام العراقية في مصر! كان معدل إنتاج الأفلام السينمائية في مصر من مائة إلى مائة وعشرين فيلما في العام الواحد فيما إنتاج الأفلام العراقية فيلم واحد في كل عامين. ومع هاتين النسبتين غير المتكافئتين فإن كافة الأفلام المصرية قد تم شراؤها وتوزيعها داخل العراق فيما لم يتم شراء ولم يعرض فيلم عراقي واحد في مصر. وقد وضعت الشركة في خطتها إنتاج أول فيلم عراقي مصري مشترك تموله الشركة والتي مقرها العراق هو فيلم قطر الندى لكن الفيلم كان مجرد إعلان وإعلام ولم يتم التحرك في إنتاجه ولا حتى في كتابة السيناريو.
في بداية عام 1968 والأعوام التي تلته، بدأت السينما العراقية وضمن سياسة الدولة القائمة آنذاك تستقطب السينمائيين المصريين والعرب. وقد استقبلهم اخوتهم سينمائيو العراق بحنان ووفروا لهم فرص العمل حتى على حساب فرصهم كعراقيين. وقد لعب الكثير من الممثلين المصريين والعرب من سورية ولبنان وفلسطين أدوارا في الأفلام العراقية المنتجة ابان فترة السبعينات إضافة إلى فرص إنتاج الأفلام الوثائقية العراقية. ففي مجال الأفلام الوثائقية كان يستعصي على بعض المخرجين العرب كتابة المعالجة السينمائية لعدم معرفتهم بطبيعة الواقع والمشكلات العراقية فكان زملاؤهم العراقيون يعمدون لكتابة الموضوعات الوثائقية ويقدمونها باسم المخرجين العرب لكي تتاح لهم فرصة العمل والإنتاج. أما في مجال الأفلام الروائية فقد نفذ المخرجون المصريون على سبيل المثال أفلامهم بميزانيات خرافية في مجال الإنتاج السينمائي العربي وتقاضوا أجورا لم يحلموا بها. ففي وقت كانت فيه ميزانية الفيلم العراقي التي تتاح للمخرج العراقي لا تتجاوز الخمسين ألف دينار عراقي أي ما يعادل مائة وخمسين ألف دولار، كانت ميزانية فيلم القادسية للمخرج صلاح أبو سيف اثنين وثلاثين مليون دولار وتقاضى مخرج الفيلم أجوره في الإخراج مليوني دولار في حين كانت أجور المخرج العراقي بحدود سبعة آلاف دولار. أما ميزانية فيلم الأيام الطويلة للمصري توفيق صالح عن حياة الدكتاتور العراقي، فقيل انها كانت ميزانية مفتوحة وهو تعبير لم يرد في تأريخ ميزانيات السينما في العالم. ومن يشاهد الأفلام العراقية سيجد أسماء كثيرة من الممثلين المصريين والعرب وكانوا يتقاضون أجورا خيالية فيما الممثل العراقي كانت أجوره لا تتجاوز الألف دولار في الفيلم.
كل هذا ولم تفتح العين الحاسدة ولا الشفاه واللسان المعاتب. ولم ينظر لكل هؤلاء الفنانين والمبدعين العرب سوى نظرة الأخوة وأحيانا نظرة الأستذة والاحترام العروبي.
عندما أشعلت حروب العراق ضد الجيران في المنطقة إيران والكويت وفرضت شروط الإنتاج على السينمائي العراقي لأفلام تبارك الحرب والدكتاتور ومن موقع رفض فكرة الحروب والقسرية في الإبداع هاجر الكثير من المبدعين العراقيين ومنهم عدد كبير من سينمائيي العراق وتمكنوا بطرائق مختلفة من الوصول إلى بلدان أوربية ساعدتهم في الإقامة على أراضيها ومن ثم الحصول على المواطنة في تلك البلدان.
وطوال حقبة حكم الدكتاتور لم يتسلم ولا سينمائي عراقي مهاجر واحد دعوة للعمل في البلدان العربية، بل لم يتسلم سينمائي عراقي مهاجر واحد دعوة لحضور مهرجان سينمائي. والأكثر غرابة أن أحد المخرجين تعذر عليه تنفيذ مشهد لأحد أفلامه في ريف مصر، وبعد مكاتبات وهواتف كثيرة في محاولة للحصول على دعوة لزيارة مصر ولتنفيذ ذلك المشهد السينمائي، فقد أتته الرسائل والهواتف بالرفض ما دعاه ذلك لاستضافة زميلة له وهي مخرجة من مصر إلى اليونان لكي يشرح لها المشهد السينمائي وأرسل معها الممثلة لتنفذ له ذلك المشهد السينمائي في ريف مصر!؟
كانت الدوافع المعلنة أن البلدان العربية على علاقة سياسية مع نظام الدكتاتور الحاكم ويتعذر على تلك البلدان رعاية السينمائيين العراقيين باعتبارهم معارضين للنظام. سقط نظام الدكتاتور في التاسع من نيسان عام 2003 . وسقطت ذريعة عدم رعاية السينمائيين العراقيين من قبل مؤسسات السينما العربية ومهرجاناتها وسقطت أيضا ذريعة القنوات الفضائية العربية التي امتدت في سماوات الشرق الأوسط، وهي تحتاج إلى كم هائل من السينمائيين والأفلام الوثائقية والبرامج التلفزيونية لأن التلفزيون فم جائع ممكن أن يلتهم التبر والتبن على حد سواء. ولم يدع للعمل فيها أي من السينمائيين العراقيين الموجودين خارج العراق. كما أن المهرجانات السينمائية التي تحتاج إلى التنوع في الأشخاص والمواد السينمائية لم تستقبل هؤلاء السينمائيين المهاجرين والمهجرين قسرا من وطنهم.
السينمائيون العراقيون المنتشرون في انحاء شتى من هذه الكرة الأرضية يستعصي عليهم الإنتاج السينمائي حتى في أبسط أنواعه وأن أكثر محاولة يحصل عليها السينمائي العراقي في بلدان المهجر أن يحصل على بضعة آلاف من الدولارات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة لانتاج شريط فيديو عن مشاكل الهجرة العراقية وهو نوع من التسلية السينمائية ليس غير ولا تحصل هذه التسلية على فرص العروض إلا ما ندر في هذا المهرجان الأوربي أو ذاك.
يعتقد العراقيون بأن ثمة مؤامرة أو لعنة دولية أو قدرية تحاصرهم وهم مستهدفون للإبادة على شتى الصعد الإنسانية. وينفي أخوتهم العرب ذلك، لكن ما يحصل للسينمائيين العراقيين حتى بعد زوال النظام يؤكد هذه اللعنة وتلك المؤامرة. فبعد أكثر من أربعة أعوام على زوال نظام الدكتاتور وزوال الذريعة في التعامل مع معارضيه، يقف السينمائي العراقي من دون فرصة إبداع، أمامه وطن محتل وأمامه أوطان متفرجة، يقف السينمائي العراقي اليوم معاتبا في البداية ثم أكثر من معاتب ثم متهم ثم رافض للانتماء لوطن ذي لغة واحدة، وهو يقف حائرا بين رفضه لاحتلال وطنه وتسلط ايديولوجيا جديدة رافضة للثقافة بتنوعها وتألقها وللثقافة السينمائية بشكل خاص، وبين رفضه لعرب يصرون على رفضه وإبعاده وهو الذي فرش لهم سجادة الحنان الحمراء يتقدمونه في المشي عليها وصولا إلى الشاشة البيضاء تزدهر عليها أسماؤهم قبل اسمه، وينسحب اسمه منها فرحا بطيبته وكرم ضيافته وإيثاره التي لم يحصد منها سوى الإبعاد لا لسبب سوى أنه يحمل الهوية العراقية والثقافية التي تمتد إلى عمق الحضارة الإنسانية.
إن الكثير من القنوات الفضائية تهتم اليوم بالأفلام الوثائقية. والعراق زاخر بهذه المادة التي تصلح للكشف السينمائي حيث استجد واقع جديد يحمل خفايا وأسراراً وينتج في ذات الوقت مصائب سوف يمتد تأثيرها خارج المساحة العراقية. والعمل السينمائي والتلفزيوني الوثائقي بأشكاله الجديدة والمتطورة هو مادة للكشف والمشاهدة والتحليل. والسينمائيون العراقيون خبروا السينما الحديثة بضرورة وجودهم في بلدان متطورة تقنيا، كما أن خبرتهم في كشف الواقع العراقي أكثر من غيرهم من وكالات الأنباء التي لا ترينا مما يجري في العراق سوى ما يطفو على السطح. والسينمائيون العراقيون بعد هذا يحملون اليوم جوازات سفر أوروبية تمنحهم قدرة السفر لتنفيذ مشهد في ريف مصر بسهولة دون حاجة المخرج للطلب من مخرجة زميلة له لكي تنفذ له هذا المشهد بسبب عدم صلاحية جواز سفره السابق للحصول على تأشيرة الدخول. كل هذه المواصفات الإيجابية التي يمتلكها السينمائي العراقي لم تعد حتى الآن لتساعده على المشاركة في الحياة الثقافية السينمائية العربية. وهو حمل عتابا قاسيا في السابق ويحمل اليوم عتابا مرا يكاد اليقين يتعزز في وجدانه. إن ثمة لعنة قدرية موجهة للشخصية العراقية وثمة مؤامرة من بلدان الجوار ومن رفاق الدرب تستهدفه ولذلك وبما تبقى له من العمر يريد أن يستعيد حرية وطنه من الأيديولوجيا الخطيرة التي تسود العراق ويحرره منها ويحرر نفسه بعد ذلك من الشعور بقوميته ومن الإرث التأريخي ليصبح عراقيا محضا.
* سينمائي عراقي مقيم في هولندا
sununu@wanadoo.nl